الحلقة السادسة من رواية ( عين الحريم ) للاستاذ أحمد المغلوث

صوره ارشيفيه لراديو شبيه بما جاء ذكره في الروايه
الحلقة السادسة من رواية ( عين الحريم ) للاستاذ أحمد المغلوث الله سلم يبدو انها وضعت كمية كبيرة من مادة السنامكي المسهلة ..صحيح كانت تريد أن تنتقم منها لمزحتها الثقيلة معها لكنها لم تكن تتصور أن تستمر معاناة أم عيد والتي تعتبرها أيضا سيدتها وصاحبة فضل عليها ..ومنذ الصباح وأم عيد أما ذاهبة إلى الحمام وأما راجعه منه .. مسكينة لقد هد الإسهال صحتها وافقدها عافيتها .. ولكن: الحمد لله، إن الله سلم.. لقد فكرت في أم عيد وفكرت لو أكتشفت سيدتها (أم عبد اللطيف ) جريمتها ماذا ستفعل .. هل تطردها شر طردة من هذا البيت الذي تربت فيه منذ أحضرتها والدتها للخدمة فيه .. كانت صغيرة لم تصل لمرحلة البلوغ عندما بدأت تساعد والدتها في الغسيل ونشره في السطوح.. حتى بعد أن كبرت وتزوجت أبا سالم العامل في ( كراج ) سيارات سيدها عبد اللطيف، وكيف ساعدتها سيدتها في زواجها بمنحها عشرة ريالات فضة هدية زواجها، كان يعتبر هذا المبلغ ثروة في زمن زواجها.. انها تشعر بالخوف الممزوج بالخجل من فعلتها وتصرفها المخزي .. كيف سمحت للشيطان أن يلعب بعقلها ويتحكم فيها بل كاد يقودها إلى ألتهلكة.. لو ماتت أم عيد.. شعرت بقشعريرة وعرق ينساب من وجهها وجسدها بل أن العرق بات كالحشرات الهلامية الزاحفة على جسمها.. حشرات هلامية مائية تكاد تفترسها بصورة مرعبة هي التي تهزها الآن وتشعرها بالقشعريرة والخوف.. وصاحب شعورها هذا شعورا بالخوف من الله الذي سوف يعاقبها على فعلتها.. استغفرت الله أكثر من مرة وراحت تطمئن نفسها بأنها لم تكن تقصد أذية أم عيد .. كان قصدها فقط الانتقام من مزحتها والعين بالعين والسن بالسن .. لكنها لم ترسم شنبا على شفة أم عيد: إ نها فعلت أكثر من ذلك لقد تجاوزت القيم وأصول الدين والشريعة فقد كادت تتسبب في وفاتها ..! شعرت لحظتها بأنها كبرت كثيرا من هذه اللحظة والبركة في هذه التجربة المخيفة وبأن تتحمل الآن مسؤولية كبيرة وقد تضاعف شعورها بالمسؤولية حتى باتت تتلاشى فيه معاناتها وتنقلب المسؤولية إلى رغبة في الاعتراف .. بدأت أم سالم تفكر: هل تقبل رأس سيدتها وصاحبتها أم عيد وتعتذر منهما..؟ تشعر الآن بحيرة كبيرة .. فكرت .. ثم فكرت طويلا .. وفجأة اتجهت لمجلس سيدتها وراحت تقبل رأسها باكية: سامحيني يا أم عبد اللطيف، أنا اللي تسببت في إسهال أم عيد: حبيت أنتقم منها ومن مزحتها معي في الأسبوع الماضي .. وأضافت وهي تجثو على يدي أم عيد تقبلهما ودموعها تسبق قبلاتها في مشهد ابهر الحاضرات في المجلس .. قالت جدته وهي تربت على كتفها السمين.. إذا الحقيقة ما تقولينه فانك بصراحة أخطأت كثيرا.. ويجب عليك أن تستغفري الله كثيرا ً، فاذهبي الآن وصلي ركعتين.. عسى الله يغفر لك هذا التصرف الأحمق .. المرأة كادت تموت .. أجابت أم سالم وهي تمسح دموعها بطرف (ملفعها ) الأسود .. مثل ما أخبرتك ياعمتي : لم اقصد أبدا والله العظيم .. أن أتسبب في أذيتها أو حتى تعبها، إنما أردت امزح معها لما عملت معي .. بس يبدو أني زدت في كمية (المسهلة)..! قالت أم عيد بعد أن اعتدلت في جلستها : سامحتك ياالخبيثه ..لكن بصراحة شفت الموت صباح اليوم .. الحمد لله على العافية ..ثم استطردت لكن يالخبيثة ما أرضى عنك إلا بعوض .. شاهدين يا حريم ..؟ فجاء الجواب من الجميع: شاهدين .. فقالت أم عيد بعد العشاء الليلة تحكين لنا أطرف قصة أو حكاية سمعتيها على شرط انها تضحكنا وتوسع صدرنا بدل الغم والتعب اللي عشناه اليوم . خاصة وأنا سأنام الليلة هنا . تهجم عليها أم سالم وهي تبتسم: أمري ياعمتي غالية والطلب رخيص .. تحتضنها بكل ثقلها ووزنها .. تقبلها في رأسها ويديها .. نهرتها جدته وهي تقول: ابتعدي عنها.. بتموت بين يديك .. ماماتت من المسهل .. تريدين تموت من ثقلك..؟! تبتعد أم سالم عنها وابتسامة واسعة كشفت عن سنيها المكسورة والذهبية ..؟! ضحك بارتياح من الجميع وراح صاحبنا يفكر يا ترى ماذا سوف تتحدث به أم سالم الليلة وهل تسمح له والدته سماع ( سالفتها ) التي سوف تضحكهن وتسعدهن..؟ الربيان والرمان بعد العشاء أسرع وحمل أبريق الماء منتظرا خاله.. راح يصب الماء على يديه وراح يهمس له: الليلة، طريقتك في الأكل ت افزعتنيً.. كنت أشبه بالمفجوع ..!؟ ما عمرك .. أكلت كبسة ربيان.بالرمان .؟ وأضاف بحنق : مره ثانية عندي لك أكله خاصة جدا أكلة ينتظرها ظهرك ..!!..كاد يقول لخاله وهو يخفي خجله انه كان يسرع في الاكل ليصعد سريعا الى سطح قسم الحريم . ولكن صعب بصارحه بما يدور في خاطره .. ناوله الفوطة، وتابعه بنظراته ومرش العطور .. التفت خاله إلى احد صبيانه، والذي كان يستعد لصب القهوة وقال له بسرعة .. احضر الراديو وخذ معك هاذا المفجوع يساعدك في حمله ..! تضايق، فقد قالها بصوت أتاح لبعض الضيوف سماعها ..لو كان بيده أن يفعل شيئا أمام هذه السخرية .. ولكن ماذا يستطيع أن يفعل.. حمد الله كثيرا أنه قال عنه (مفجوع) بسخريته المعتادة ولا ضربه كف راشدي.. كما يقول العامة.. احضرا الراديو ( الفليبس )الخشبي الكبير مع بطاريته الكبيرة .. ووضعاه على طاولته الخشبية المغطاة بقماش ابيض مزخرف يشبه كثيرا قماش ( الدواشق ) إلا أن مقاسه صغير يغطي الطاولة الخشبية .. بسرعة قام الصبي بربط ( انتل ) الراديو وبدأ خاله في تشغيله والبحث في إذاعاته المحدودة .. الشرق الأدنى . لندن.. بغداد.. وصوت العرب.. وايطاليا .. . كان بعض الضيوف وزوار مجلس خاله ملتزمين بالحضور ليليا.. كانت الأحداث في ذلك الوقت مثيرة ومشوقة.. فا لبرامج الإخبارية وتعليقات المذيعين كانت تشد الحضور، بل أن بعضهم كان ينفعل مؤيدا هذه الإذاعة دون أخرى خاصة في تعليقاتها السياسية ووجهات نظرها إزاء بعض القضايا المعاشة في ذلك الوقت: فهذا يؤيد الثورة العراقية وذاك مع الملكية.. بل أن المناقشات كانت تدور تلك الليلة حول هروب نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي لأكثر من14 مرة .. هروب طريف ومثير فكان يتخفى في عباءة نسائيه مما أثار إعجاب الحضور في هذا المجلس هو إجماعهم على الإعجاب بشخصية نوري السعيد المثيرة للدهشة، وكيف انتهت حياته بصورة درامية محزنة .. وبعد سنوات قرأ صاحبنا موضوعا مطولا حول نوري السعيد وكيف كان نزيها خلال عمله ومسؤولياته فلم تجد أسرته أي فلس في البنوك العراقية أو العربية أو الأجنبية ..كان ضحية انقلاب مأساوي فرط في " الملكية " التي مازال البعض يتذكرها الى اليوم ..
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات معتمدة بعد. شاركنا رأيك.
أضف تعليقًا