بواسطة Legacy Author #313 سبتمبر 2014 - 18:11223 مشاهدة5 دقيقة قراءة
عماد عريـــــــــان -صدق أو لا تصدق، أنك إذا ذهبت إلى إدارة أمريكية أو مؤسسة ما في ولاية من الولايات المتحدة بهدف إنهاء معاملة إدارية – استخراج شهادة ميلاد مثلا أو تجديد رخصة سيارة – فسوف تجد نفسك مطالباً بدفع رسوم إدارية إضافية لحضورك بشخصك بينما كان يتوجب عليك أن تنهي معاملتك إلكترونيا عبر الشبكة العنكبوتية الدولية، وصدق أو لا تصدق أيضا عندما قام صاحب «مايكروسوفت» بل جيتس بزيارة مواقع تكنولوجية أو رقمية متقدمة في إحدى الدول العربية صدمهم بالقول: «إنكم تعانون من كارثة إلكترونية»، وبطبيعة الحال المسافة بين المشهدين – ما بين دفع غرامة الحضور لإنهاء المعاملة الورقية والكارثة الرقمية أو الالكترونية في دول المنطقة – الكثير من الحقائق التي يتحتم تفنيدها وتحليلها سعيا لتضييق الفجوة الرقمية والدخول في عالم الحكومات الإلكترونية بشكل صحيح ومن أوسع الأبواب.ومن حيث المبدأ لابد من عودة تاريخية سريعة لسنوات قليلة مضت مع تمدد شبكة الاتصالات الدولية «الإنترنت» وبشكل أكثر تحديدا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي, فنجد إرهاصات ما يعرف الآن بـ»الحكومة الإلكترونية» وقد أخذت ملامحها ومعالمها تتشكل بوضوح شديد، ولا غرابة ولا عجب إذا ما وجدنا أن أبرز تلك الملامح وأبرز هذه المعالم حرف واحد يمكن أن يختزل تحليلات مطولة, وهو حرف «ئي – E « وباللغة الإنجليزية فإن هذا الحرف يختزل كلمة «إلكتروني» ولكنه في حقيقة الأمر مؤشر مهم جدا على ثورة إلكترونية ورقمية رهيبة تضرب كل أرجاء المعمورة وفضائها الكوني، ومن ثم فليس من المبالغة ووفقا لعنوان هذا المقال القول إن هناك حرفا واحدا يحكم العالم هو حرف «ئي» اختزالا لكلمة إلكتروني لأننا ببساطة سنجد هذا الحرف سابقا على كل ممارسات وأنشطة حياتنا اليومية، ومثال على ذلك نقول «e – government» أي حكومة إلكترونية لنجدها على المنوال ذاته تمددت لتصبح «تسوق إلكتروني» و»تعليم إلكتروني» و»تصويت إلكتروني» و»استفتاء إلكتروني» و»تجارة إلكترونية» وأيضا « زواج إلكتروني»..إلخ.وتلك ليست سوى نماذج محدودة تؤكد وتظهر كيف أن هذا الحرف الصغير أصبح بالفعل يتحكم في كل مناحي حياتنا، ولكن هذا الحرف الصغير وراءه منظومة هائلة من التطور العلمي الرهيب أساسه الفضاء الكوني بأكمله بلا حدود ولا قيود ولا تقف في سبيله بحار أو محيطات أو جبال أو سموات بل إن السموات مفتوحة أمامه تماما لإتمام مهامه الناجحة في ربط العالم بسلاسل رقمية لا انفصال لها، وإذا كنا في الماضي نتحدث عن نجاح الإذاعة والتلفزيون في تحويل العالم إلى قرية صغيرة فلا شك في أن شبكة المعلومات الدولية والتطورات الرقمية والتقنية والوسائط الإعلامية المتعددة جعلت العالم منزلا واحدا وربما غرفة واحدة، لتجعل حياة البشر أكثر يسرا وسهولة مختزلة آلاف الرحلات الجوية وملايين الرحلات اليومية بوسائل المواصلات المختلفة ومنهية أكواما ضخمة من الرسائل والشحنات البريدية والورقية، والملفات والمستندات المتراكمة، لتصبح «الشاشة» في حياتنا هي سيد الموقف في كل شيء، وربما كانت تلك المشاهد وأشياء أخرى أضافية هي المدخل الحقيقي والصحيح في تحقيق مفهوم الحكومة الإلكترونية، فالهدف على سبيل المثال من دفع غرامة مالية لمن ينهي معاملة إلكترونية بنفسه في إدارة أمريكية هو وقف المعاملات بين البشر بعضهم البعض لمنع التكدس والتشاحن، وربما أيضا للقضاء على الرشوة والتدليس، فالمعاملات الإلكترونية بالتأكيد لا تخلو من الضوابط القانونية والأطر التنظيمية السليمة والمحكمة التي تضمن سير أعمالها بمنتهى الدقة وبأكثر درجات الأمن والأمان والسلامة التي يمكن تصورها, بل ويجب على مختلف الحكومات أن تعمل على تشريع وفرض مثل هذه الضوابط مع إحكام الشبكة التنظيمية من خلال بنية تحتية متطورة تمكن على سبيل المثال المواطن الأمريكي المقيم في كاليفورنيا بأقصى الغرب الأمريكي من الحصول على معاملته الإلكترونية إذا كان موجودا في نيويورك أو واشنطن بأقصى الشرق, ليس هذا فحسب ولكن يساعد ذلك أيضا على احتفاظ الحكومات على سجل معلوماتي كامل لكل إنسان مقيم على أراضيها فتعلم كل شيء عن تاريخ ميلاده وتأمينه الصحي وتأمينه الاجتماعي ووظيفته وتاريخه العائلي والأسري وجدارته الائتمانية.. إلى غير ذلك من البيانات الإلكترونية التي تمكن أي دولة من بناء سياساتها في كل المجالات على أسس معلوماتية دقيقة وواضحة فتتمكن من إحداث نقلة حقيقية في التنمية البشرية من ناحية الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية بمختلف أشكالها, ولا شك في أن مثل هذه الأهداف كانت ولا تزال واضحة في أذهان خبراء التنمية البشرية والمتخصصين في مجالات التطوير الإلكتروني عندما وضعوا أسس الحكومة الإلكترونية وروجوا لها من خلال سلسلة من الكتب التي تحدثت عن إدارة بلا مكاتب ومكاتب بلا أوراق.وليس غائبا عنا جميعا تلك الفجوة الرهيبة بين الدول المتقدمة والدول النامية في هذا المجال, وإذا كنا في الماضي قد تحدثنا عن الفجوة التكنولوجية بين الكتلتين فإننا اليوم نتحدث عن الفجوة الرقمية بينهما, ولكنها على أية حال من الفجوات التي يسهل تضييقها لأن من مصلحة كل الأطراف في العالم بناء بنية تحتية رقمية متكاملة وقوية ربما تحقيقا للرغبة الأكيدة في بناء حكومة إلكترونية دولية أو عالمية, فضلا عن أن مختلف دول العالم تدرك جيدا أن اللحاق بقطار التقدم والحداثة لا سبيل إليه إلا بمسايرة ومجاراة العالم المتقدم في هذا الشأن، والأمر بالفعل يحتاج إلى إرادة سياسية قوية على كل الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية،فعدم وجود الرغبة والإرادة السياسية اللازمة من القيادات العليا في النظام السياسي تجاه اعتماد حكومة إلكترونية يعد من أبرز المشاكل السياسية التي تواجهها تطبيقات الحكومة الإلكترونية بالأخص في البلدان النامية. وعلى حد وصف كثير من المحللين المعنيين بهذا الأمر.تعتبر الثقافة السياسية السائدة في بلد ما مؤشرا حاسما وعنصرا مؤثرا للتقدم في هذا المجال. فهناك علاقة مباشرة بين الثقافة والاهتمام بتوجهات إقامة مشاريع الحكومة الإلكترونية حيث غالبا ما تنعكس توجهات القادة والمسئولين الحكوميين على المبادرات الحكومية والمشاريع المستقبلية نحو دعم مقومات الحكومة الإلكترونية.ومن بين الأسباب العديدة – سواء الاجتماعية والثقافية - للفجوة الرقمية القائمة بين العالمين المتقدم والنامي: تدني التعليم وعدم توافر فرص التعلم إضافة إلى تفشي الأمية في كثير من المجتمعات والحديث هنا ليس عن الأمية الرقمية والحاسوبية ولكن المقصود الجهل بالقراءة والكتابة من الأساس, ويضاف إلى ذلك الدخول المالية المحدودة للأفراد وأيضا الفجوة اللغوية والجمود المجتمعي وصعوبة تقبل أي تغييرات جديدة نظرا لتمسك بعض المجتمعات بالقيم والتقاليد السائدة فيها منذ قرون عديدة. أيضا الجمود التنظيمي والتشريعي الذي يحول دون القفز لعوالم جديدة تجاري التطورات الجارية. فضلا عن غياب الثقافة العلمية التكنولوجية. وحتى يتم التغلب على هذه الفجوة لابد من أن تكون هذه الثقافة موجودة لدى جميع شعوب الدول النامية. وبرغم ذلك فإن هناك دولا نامية وعربية قطعت مراحل هائلة نحو إقامة المفهوم الحقيقي للحكومة الإلكترونية، والأمر بالقطع يتطلب المزيد من الجهد والعمل والاستثمار في هذا المجال نحو إقامة مجتمعات متطورة وحديثة لأن الاستثمار هنا هو في واقع الأمر استثمار في البشر نحو الأفضل حتى لا نجد أنفسنا مضطرين لدفع غرامات مالية نتيجة المعاملات الورقية في المكاتب أو الترنح تحت كوارث التأخر الإلكتروني نتيجة التخلف عن الدخول في مملكة حرف «ئي « الذي يحكم العالم بالفعل./ حسب عمان
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات معتمدة بعد. شاركنا رأيك.
أضف تعليقًا