عناق في المجمع

أحمد المغلوث/
كل شيء داخل المجمع التجاري الكبير صمم بدقة متناهية جعلت المتاجر والمعارض والمعروضات خلف الفاترينات تعطي الاحساس بأننا نرى تفاصيل المكان والمعروضات.. ابدع فيها المهندسون والمصممون وحتى المنفذون.. فتحات المحلات بأبوابها الزجاجية الكبيرة تمتزج فيها الاضواء بالنور الطبيعي المشرق القادم من اعلى المجمع. مكونة بانوراما لونية ولا أجمل..وكانت خطوات الرجل السبعيني في رواق المجمع تحدث ايقاعا رتيبا على وجه الرخام الايطالي. لا يكاد يسمعه أحد الا الرجل نفسه فهو ينتعل حذاء خاصا بمرضى (السكري) الرجل العجوز حفرت التجاعيد في وجهه خطوطا متعرجة تتضاعف كلما حرك وجهه وعلى الاخص خلال حديثه او انفعالاته الطبيعية.. كان في طريقه لصيدلية المجمع فهو بحاجة لمادة مطهرة. للعناية بقدميه.. فتعليمات طبيبه تؤكد على أهمية العناية بالقدمين خصوصا لأمثاله من مرضى (السكري) مشى الى الصيدلية مثقلا بتفكيره. ومازالت صورتها تسكنه بل وتلاحقه.. وتتمدد باسترخاء لذيذ داخل أقبية ذاكرته. في الحلم واليقظة يراها تبدو جميلة دائما ومثيرة أبدا.فجأة وقف أحس بأن رقبته تكاد تخرج من غترته الشماغ البيضاء المعطرة بدهن العود الكمبودي الثمين وتمتد الى الجهة الاخرى من الرواق وراح يتطلع بإعجاب ودهشة! كان الشاب يحتضنها ويقبلها في سعادة غامرة؟! وهو يداعب شعرها الغجري بأصابعه التي سافرت عبر ليل شعرها الليلي، وليس الذي أثاره المشهد فقط بل الكثير من المتسوقين والمتسوقات شاركوه ايضا، ولولا الحياء لأخرج من جيبه (ايفونه) والتقط صورة للمشهد.لاحت في عينيه المتعبتين وخلف نظارته الطبية ظلال دهشة.. انها تشبه ابنته التي فقدها قبل عقود في حادث سيارة! قالها بينه وبين نفسه. بعدها استرخت نظراته فتطلع اليها من جديد وبات لحظتها قريبا جدا منهما عندما سمع الشاب يقول للطفلة الصغيرة وبحنان بالغ. هانحن امام المكتبة ماذا تريدين أن اشتري لكما من المكتبة. فأجابته الطفلة بلثغة محببة: ابغى (مدلة مادد) وأخوى حمودي يبغى (ايباد).مضت ايام على هذا المشهد الا أن بقاياه ما زالت تثير فيه بين آن وآخر ابتسامة خافتة لا تسكن شفتيه وإنما اعماقه. ولتتمدد جنبا الى جنب مع صور كثيرة في ذاكرته./ عن اليوم

تعليقات القراء
لا توجد تعليقات معتمدة بعد. شاركنا رأيك.
أضف تعليقًا